
بعد إعلان منظمة الصحة العالمية عن تفش محدود لفيروس هانتا على متن سفينة سياحية عبرت المحيط الأطلسي، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بموجة من التفاعلات المتضاربة؛ فبينما صور البعض الحادثة على أنها نذير جائحة عالمية جديدة، قلل آخرون من شأنها معتبرين أن الخطر مبالغ فيه. ويكشف هذا التباين الحاد في التلقي العربي لأخبار فيروس هانتا عن إرث نفسي معقد خلّفته جائحة كوفيد-19، تختلط فيه مشاعر القلق المزمن بفقدان الثقة في الرواية الصحية الرسمية.
قبل أيام، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن إجمالي الإصابات بفيروس هانتا على متن سفينة “إم في هونديوس” بلغ 11 حالة، ثلاث منها انتهت بالوفاة، بينما صنفت تسع حالات مؤكدة وحالتان محتملتان. ورغم تأكيدات المنظمة أن الوضع لا يشير إلى تفش واسع النطاق، إلا أنها لم تستبعد تسجيل إصابات جديدة نظرا لفترة حضانة الفيروس الممتدة بين أسبوع وثمانية أسابيع. هذه المعطيات الرسمية شكلت أرضا خصبة لتأويلات متعاكسة على منصات التواصل في العالم العربي.
على الجانب المائل إلى التهويل، برزت أصوات تنذر باحتمال تحول الفيروس إلى وباء عالمي، مثل حساب “فهد” على منصة إكس الذي اعتبر أن فيروس هانتا قد يتطور إلى جائحة. وفي الاتجاه نفسه، حذرت المستخدمة “فاطمه نور الدين” من أن الخطر الحقيقي قد لا يكون في عدد الحالات المعلنة، بل في احتمال سوء التشخيص بسبب تشابه الأعراض المبكرة مع الإنفلونزا والالتهاب الرئوي، مما قد يجعل التتبع الوبائي للفيروس أكثر تعقيدا ويخفي حجم انتشاره الحقيقي. هذه الهواجس ليست معزولة عن ذاكرة جائحة حديثة بدأت هي الأخرى بأخبار متفرقة قوبلت في أيامها الأولى بالاستخفاف.
في المقابل، تبنى فريق آخر خطابا يقلل من المخاطر. إذ ردت المستخدمة “لينا” على منشور للدكتور محمود سعد حجي كان قد حذر فيه من لقاح مرتبط بالفيروس، بقولها إن فيروس هانتا ليس جديدا، بل معروف منذ فترة طويلة، وإن انتقاله بين البشر بطيء جدا ولا يستدعي تطوير لقاح لأنه لا يشكل ضغطا على المستشفيات كما حدث مع كوفيد-19. وهذا الموقف يختزل الفيروس بأكمله في مقارنة مع الجائحة السابقة، متجاهلا أن الفيروسات، حتى المعروفة منها، يمكن أن تتحور وتغير سلوكها الوبائي بمرور الوقت ونحن نرى هذا هو الصواب.
وبين الموقفين، حضرت حالة من الحيرة والشك في دقة المعلومات المتداولة. عبرت “أدالينا” عن هذا المأزق بتساؤلات حول آلية الانتقال، مشيرة إلى تضارب المعلومات بين نفي انتقاله من إنسان إلى آخر، والحديث عن حالات يعتقد أنها نتجت عن الاختلاط. وهذا التضارب الظاهري مصدره واقع علمي دقيق: فالفيروس ينتقل أساسا من القوارض، وسلالة “الأنديز”، وهي المعنية بهذا التفشي، هي الوحيدة المعروفة بقدرة محدودة على الانتقال بين البشر عبر المخالطة القريبة والممتدة. لكن هذه الفروق الدقيقة كثيرا ما تضيع في سجالات المنصات المقتضبة.
إن ردود الفعل العربية على أخبار فيروس هانتا لا تعكس فقط تباينا في المعرفة العلمية، بل هي مرآة لانقسام أعمق في العلاقة بين الجمهور ومصادر الخبر الصحي. فبعد سنوات من جائحة قلبت أنماط الحياة، تولد لدى فئة إرهاق وبائي يدفعهم إلى رفض أي إنذار جديد ووصمه بالمبالغة، بينما أنتجت الصدمة لدى فئة أخرى حالة من اليقظة المفرطة التي ترى في كل متحور أو فيروس ناشئ امتدادا لكارثة قادمة. ويكمن التحدي الحقيقي في أن كلا الموقفين يغذي بيئة خصبة للمعلومات المضللة: التهويل يسوق للخوف بلا دليل، والتشكيك يضعف الثقة في التحذيرات المشروعة، مما يجعل مهمة سلطات الصحة العامة في إدارة المخاطر التواصلية بذات خطورة إدارة التفشي ذاته.
في الوقت الذي بدأ فيه ركاب السفينة المخلون إجراءات حجر صحي تمتد إلى 45 يوما، وتترقب الأنظمة الصحية ظهور أي حالات جديدة، يظل الفصل بين القلق العقلاني والتهويل العاطفي ضرورة ملحة. أخبار فيروس هانتا اليوم ليست مجرد نشرة صحية عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرتنا على قراءة المعطيات العلمية كما هي، بعيدا عن إسقاطات الماضي وهواجس المستقبل.






