
في يوم واحد، انقلبت المعادلات التي طالما حفظها المتعاملون في أسواق المال. الذهب، ذلك الملاذ الآمن الذي يفترض أن يزدهر في أوج الخوف، سجل أدنى مستوى له فيما يقترب من شهرين. وعلى النقيض، قفز النفط بأكثر من ثلاثة في المئة بعدما تبادلت واشنطن وطهران الضربات والصواريخ والتصريحات الملتهبة. ما حدث اليوم لم يكن مجرد جلسة تداول عادية، بل كان تذكيراً صارخاً بأن الجيوسياسية حين تتصدر المشهد، تعيد كتابة قواعد اللعبة الاقتصادية من أول سطر، تاركة المستثمرين أمام معضلة مزدوجة: حرب ترفع أسعار الطاقة، وتضخماً يهدد بدفع أسعار الفائدة إلى الأعلى، فتنكسر معه جاذبية المعدن الأصفر.
الذهب تحت وطأة الدولار والفائدة
هوى سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.6 في المئة ليستقر عند 4383.6 دولاراً للأوقية، بعد أن لامس في وقت سابق من الجلسة أدنى مستوى له منذ السادس والعشرين من مارس الماضي. ولم تكن العقود الأمريكية الآجلة لتسليم يونيو أفضل حالاً، إذ تراجعت بدورها 1.6 في المئة إلى 4377.10 دولاراً. خلف هذه الأرقام يقف دولار أمريكي ارتفع إلى أعلى مستوى في أسبوع، جاعلاً الذهب المسعر بالعملة الخضراء أكثر كلفة على حائزي العملات الأخرى. لكن قوة الدولار ليست سوى الوجه الظاهر من العملة. الوجه الآخر يتمثل في تصريحات عضو مجلس المحافظين بالاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، التي قالت إن البنك المركزي قد لا يكتفي بالإبقاء على أسعار الفائدة من دون تغيير، بل يتأهب لرفعها إذا تطلبت الضرورة. وفي بيئة ترتفع فيها الفائدة، يتجرد الذهب من أحد أهم أسلحته: كونه أصلاً لا يدر عائداً، فيصبح الاحتفاظ به تكلفة بدلاً من أن يكون ملاذاً.
النفط يشتعل على وقع الغارات المتبادلة
على الضفة الأخرى من المشهد، كان النفط يكتب قصة مختلفة تماماً. قفزت العقود الآجلة لخام برنت تسليم يوليو بنسبة 3.72 في المئة لتلامس 97.8 دولاراً للبرميل، بينما زاد خام غرب تكساس الوسيط 3.31 في المئة مقترباً من 92 دولاراً. الشرارة التي أشعلت النفط جاءت من الخليج، وتحديداً من مضيق هرمز، حيث أعلن مسؤول أمريكي تنفيذ غارات جديدة استهدفت موقعاً عسكرياً إيرانياً يشكل تهديداً للقوات الأمريكية وحركة الشحن في الممر المائي الاستراتيجي. ولم يمض وقت طويل حتى رد الحرس الثوري الإيراني بإعلان استهداف قاعدة جوية أمريكية. هذه المناوشات، التي تأتي بعد ساعات فقط من نفي الرئيس ترامب لتقارير إيرانية عن اتفاق لاستعادة الملاحة في المضيق، قلبت مزاج الأسواق رأساً على عقب، وبددت بسرعة مكاسب الأمل التي تحققت في الجلسة السابقة حين هبط الخامان بأكثر من خمسة في المئة.
الملاذ الآمن الذي خانه أهله
المفارقة التي حيرت بعض المراقبين تكمن في أن الذهب، الذي يفترض أن يكون المستفيد الأول من الاضطرابات الجيوسياسية، لم يصمد هذه المرة. مات سيمبسون، المحلل لدى ستون إكس، فكك هذه المعضلة حين قال إن “الاضطرابات الجيوسياسية لا تزال متصاعدة، وتلقينا الكثير من الإنذارات الكاذبة بشأن مفاوضات اتفاق السلام”، مضيفاً أن “الإقبال على الدولار سيظل مستمراً وهذا يعني أن الذهب من المرجح أن يظل تحت الضغط”. بكلمات أخرى، حين يصبح الخوف من التضخم وارتفاع الفائدة أقوى من الخوف من الحرب نفسها، يجد الذهب نفسه مهجوراً من قبل أولئك الذين طالما لجأوا إليه.
المعادن النفيسة الأخرى تشارك الذهب محنته
لم يكن الذهب وحده في قائمة الخاسرين. الفضة نزلت ثلاثة في المئة إلى 72.37 دولاراً للأوقية، والبلاتين خسر 1.4 في المئة مسجلاً 1890.81 دولاراً، وكلاهما سجل أدنى مستوى فيما يقرب من شهر. أما البلاديوم فانخفض 1.9 في المئة إلى 1364.26 دولاراً. هذا الانسحاب الجماعي للمعادن النفيسة يؤكد أن ما يحدث ليس مجرد تصحيح عابر في سوق الذهب، بل موجة عزوف أوسع تغذيها قوة الدولار وتوقعات الفائدة.

مخزونات النفط الأمريكية ترسم صورة نقص معقدة
في خلفية المشهد النفطي، ثمة عامل آخر يزيد من تعقيد الصورة. أظهرت بيانات معهد البترول الأمريكي أن مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة هبطت 2.8 مليون برميل الأسبوع الماضي، لتواصل بذلك انخفاضها للأسبوع السادس على التوالي. هذه الأرقام، التي من المتوقع أن تؤكدها البيانات الرسمية الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية اليوم، تعني أن السوق كانت أصلاً تعاني شحاً في الإمدادات قبل أن تشتعل المواجهة في مضيق هرمز. والنتيجة خليط سام: نقص هيكلي في المخزونات يقابله تهديد وجودي لأهم ممر ملاحي نفطي في العالم.
الاقتصاد السياسي للصراع: بين مطرقة التضخم وسندان الفائدة
ما كشفته جلسة اليوم ليس مجرد تقلبات سعرية عابرة، بل إعادة تموضع عميقة لرؤوس الأموال في زمن تتشابك فيه خيوط الحرب والاقتصاد على نحو لم يعد يسمح بقراءة أي منهما بمعزل عن الآخر. العلاقة الثلاثية بين النفط والتضخم والفائدة دخلت طوراً حرجاً: النفط يرتفع بسبب الحرب، والحرب ترفع كلفة الشحن والتأمين والطاقة، وهذه الكلف تترجم تضخماً يضغط على البنوك المركزية لرفع الفائدة أو الإبقاء عليها مرتفعة، والفائدة المرتفعة تسحب البساط من تحت أقدام الذهب. بهذا المنطق، تحول الذهب من ملاذ آمن إلى ضحية غير مباشرة لنفس الصراع الذي كان يفترض أن يستفيد منه. هذه الحلقة المفرغة تذكر المتعاملين بأن قواعد “التحوط” التي سادت في عقود التضخم المنخفض والجيوسياسية المحكومة، لم تعد تسري بالضرورة في عالم تتصارع فيه القوى الكبرى مباشرة على ممرات الطاقة، ويقف فيه الاحتياطي الفيدرالي متأهباً لرفع الفائدة في أي لحظة.
الخلاصة:
بين ذهب يترنح عند أدنى مستوياته في شهرين ونفط يشق طريقه إلى الأعلى على وقع صواريخ الخليج، يبدو المشهد المالي اليوم أقرب إلى لوحة متحركة ترسم ملامح نظام اقتصادي عالمي مضطرب. المستثمرون الذين راهنوا على الذهب كدرع واق من الحرب اكتشفوا أن الدرع نفسه قد يثقل كاهلهم حين تتحول الحرب إلى تضخم، والتضخم إلى فائدة أعلى. وفيما تترقب الأسواق بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي الأمريكية بحثاً عن إشارة جديدة، يبقى مضيق هرمز هو البوصلة الحقيقية: ما لم تهدأ مياهه، سيظل النفط يحرق جيوب المستهلكين، وسيظل الذهب يدفع ثمن حرب لم يخضها.
المصدر : رويترز
أقرأ ايضا: أسعار النفط وتأثيرها على الذهب والتضخم: تحليل الأسواق العالمية وتوقعات 2026











تعليق واحد