
عادت أسعار النفط إلى دائرة الاضطراب الحاد في جلسة عكست بجلاء التوتر الذي يهيمن على الإمدادات العالمية، حيث قفز خام برنت بنسبة 3.2% ليقترب من حاجز المئة دولار، بينما سجل الخام الأميركي تراجعاً فاق 4%. وجاء التباين الصارخ على وقع ضربات عسكرية أميركية في إيران وتصريحات لواشنطن بددت آمال إنهاء سريع للحرب، لتبقى حركة الملاحة عبر مضيق هرمز شبه مشلولة، وحصة سوقية ضخمة من النفط والغاز رهينة الغموض الجيوسياسي.
صدمة الأسعار: برنت يصعد وغرب تكساس يعكس الاتجاه
بحلول الساعة 08:20 بتوقيت غرينيتش، ارتفع خام برنت القياسي العالمي بمقدار 3.04 دولار ليبلغ 99.18 دولاراً للبرميل، وذلك بعد أن مني بخسارة حادة بلغت 7% في الجلسة السابقة. هذا الانتعاش السريع أعاد عقود برنت إلى مشارف 100 دولار، وهو مستوى نفسي طالما ارتبط بضغوط تضخمية عالمية.
في المقابل، انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 4.07 دولار، أو ما يعادل 4.2%، ليستقر عند 92.53 دولاراً للبرميل مقارنة بإغلاق يوم الجمعة. ويفسر المحللون هذا التباين جزئياً بعدم وجود تسوية رسمية للخام الأميركي يوم الاثنين بسبب عطلة في الولايات المتحدة، مما جعل حركة الأسعار يوم الثلاثاء تستوعب متأخرات الجلستين، بينما استفاد خام برنت مباشرة من تصاعد المخاطر في الشرق الأوسط دون ضغوط فنية مماثلة. كما يُرجح أن السوق الأميركية تأثرت بجني أرباح سريع بعد قفزات سابقة، وبعوامل محلية تتعلق ببيانات المخزون المنتظرة.
لماذا قفز برنت؟ الضربات تتزامن مع تصريحات روبيو المثبطة
السبب المباشر لارتفاع خام برنت يعود إلى إعلان الجيش الأميركي شن “ضربات دفاعية” في جنوب إيران، وهي خطوة صدمت الأسواق التي كانت تراهن على قرب توقيع اتفاق سلام. وجاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التي قال فيها إن التفاوض على اتفاق سلام “قد يستغرق بضعة أيام”، لتبدد التفاؤل الذي ساد قبل الضربات، حين كان كبار المفاوضين الإيرانيين في الدوحة لمناقشة مذكرة تفاهم لوقف الحرب.
وعلق جيوفاني ستونوفو من بنك “يو بي إس” بالقول: “ما زلنا ننتظر مزيداً من التفاصيل بشأن صفقة محتملة. وفي الوقت نفسه، نشهد تصاعداً في التوترات بالشرق الأوسط، بينما لا تزال تدفقات النفط عبر مضيق هرمز مقيدة”. هذه الازدواجية بين الأمل في السلام والواقع العسكري المتأزم وضعت خام برنت في مسار صاعد عنيف، مدفوعاً بعلاوة مخاطر لم تجد ما يكبحها بعد.
مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي لا يزال مختنقاً
منذ بدء الحرب قبل ثلاثة أشهر، أوقفت طهران فعلياً شبه كلي جميع الشحنات غير الإيرانية المتجهة من وإلى الخليج عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى انقطاع نحو خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. وأظهرت بيانات تتبع السفن بعض بوادر الانفراج، إذ عبرت ثلاث ناقلات غاز طبيعي مسال المضيق مؤخراً متجهة إلى باكستان والصين والهند، بالإضافة إلى ناقلة عملاقة تحمل نفطاً عراقياً إلى الصين كانت عالقة لنحو ثلاثة أشهر.
لكن أولي هانسن من “ساكسو بنك” حذر من التفاؤل المفرط بقوله: “أي اتفاق سلام نهائي من المرجح أن يؤدي فقط إلى إعادة فتح تدريجي للممرات؛ مما يعني أن الوضع الحالي لنقص الإمدادات قد يستغرق شهوراً للعودة إلى طبيعته”. وتكشف صحيفة “نيكاي” اليابانية عن بند في مذكرة التفاهم المحتملة ينص على قيام إيران بإزالة الألغام من هرمز خلال 30 يوماً، بعدها ستتمكن السفن من الإبحار بحرية دون رسوم عبور. لكن حتى هذا السيناريو الإيجابي لا يبشر بتطبيع سريع للأسعار، فشهر إضافي من القيود يعني استنزافاً أكبر للمخزونات العالمية.
ترمب ومطلب اليورانيوم: اتفاق على حافة الانهيار
جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، مطالبته طهران بتسليم اليورانيوم المخصب، في تذكير صارخ بأن الملف النووي لم يغلق بعد. ويحذر توني سيكامور، محلل الأسواق في “آي جي”، من أن “هذا تذكير صارخ بأن الاتفاق لا يزال من الممكن أن ينهار في اللحظة الأخيرة، كما حدث في المحاولات الخمس السابقة”. هذه العبارة وحملها التاريخي تفسر جزءاً كبيراً من التقلب الحاد في تداولات الثلاثاء: فالأسواق باتت تعيش بين نارين، تفاؤل حذر بوقف الحرب، وخوف مزمن من انهيار مفاجئ يكرر سيناريوهات سابقة.
فقرة تحليلية: ماذا يعني وصول خام برنت إلى عتبة المئة دولار الآن؟
اقتراب خام برنت من حاجز 100 دولار لا يخص منتجي النفط وحدهم، بل يضرب مباشرة اقتصادات كبرى مستوردة، ويهدد بتجديد موجة تضخم عالمي كانت قد بدأت تنحسر. في العالم العربي، المشهد مزدوج: الدول المصدّرة كالسعودية والعراق والكويت قد تستفيد مالياً من هذه المستويات، لكنها تدرك أن استمرار الحرب على هذا النحو يهدد أمن ممراتها التصديرية ويهز ثقة المستثمرين في استقرار الإقليم برمته. أما الدول المستوردة للنفط في المنطقة، ومنها مصر والأردن والمغرب، فستواجه فاتورة طاقة أعلى في توقيت صعب اقتصادياً.
لكن اللافت في تحركات اليوم ليس مجرد ارتفاع برنت، بل الانفصال النسبي بينه وبين خام غرب تكساس. هذا التباعد يشير إلى أن السوق الأميركية بدأت تعيد تسعير المخاطر بعوامل داخلية، ربما تتعلق بزيادة محتملة في الإنتاج المحلي أو بتوقعات تراجع الطلب. وفي كل الأحوال، يظل خام برنت هو “مقياس الحرارة” الحقيقي لاضطرابات الشرق الأوسط، وما لم تنفرج أزمة هرمز خلال أسابيع لا أشهر، فقد يكون حاجز المئة دولار محطة عبور لا سقفاً.
خاتمة
وسط تعثر المفاوضات وعسكرة الممرات المائية، يذكرنا خام برنت بأن الجغرافيا السياسية لا تزال المحرك الأقوى لأسواق الطاقة. وبينما يرقب العالم ما ستسفر عنه الأيام القليلة المقبلة من محادثات، يظل السؤال الأهم: هل نشهد قريباً اتفاقاً ينهي الحرب ويعيد فتح هرمز تدريجياً، أم أن سيناريو الانهيار الخامس هو الأقرب، ليدفع ببرنت إلى ما يتجاوز المئة دولار بكثير؟










