
في خطوة جادة نحو الحلم المونديالي، دشن المنتخب السعودي الأول لكرة القدم “الأخضر” المرحلةَ الأكثر حساسية في برنامجه الإعدادي لكأس العالم 2026، محطاً رحاله في مدينة نيويورك الأميركية. لكن انطلاقةَ المعسكر لم تخلُ من منغصات، إذ تأكد غياب الظهير سعود عبد الحميد عن المواجهة الودية المرتقبة أمام الإكوادور، في تطور يلقي بظلاله على حسابات الجهاز الفني قبل أسابيع من الحدث العالمي.
استقبال دبلوماسي وتدشين تدريبي
وصلت بعثة “الأخضر” إلى مطار جون إف كينيدي الدولي قادمةً من الرياض، حيث كان في مقدمة المستقبلين القنصلُ العام للمملكة في نيويورك عبد الله الحمدان ونائبه عبد الله الفوزان، في مشهد يعكس الاهتمامَ الرسمي الرفيع بالبعثة الكروية. وعبّر رئيس الاتحاد السعودي ياسر المسحل عن تقديره لسرعة الإجراءات وحفاوة الاستقبال، في إشارة إلى التنسيق المتقدم بين المنظومة الرياضية والدبلوماسية.

وانتقل الفريق فوراً إلى معسكره التدريبي في مركز نادي نيويورك سيتي، مستهلاً برنامجاً فنياً يمتد حتى نهاية مايو، تتخلله مباراة الإكوادور على ملعب “سبورتس إليستريتد” في ولاية نيوجيرسي. ولا تُعد هذه المواجهة اختباراً عادياً، بل محطةً فنيةً مفصليةً لقياس جاهزية التشكيلة أمام منافسٍ من قارة أميركا الجنوبية، قبل الدخول في غمار مجموعة نارية تضم إسبانيا والأوروغواي والرأس الأخضر.
أزمة سعود: السرقة التي أربكت الحسابات
في الجانب الآخر من الأطلسي، كان الظهير سعود عبد الحميد يواجه موقفاً صعباً في العاصمة الهولندية أمستردام، حيث تعرضت مركبته الخاصة للسرقة خلال وجوده برفقة أسرته، ما أدى إلى فقدان مقتنياته الشخصية وجواز سفره. وكشف بيان رسمي للاتحاد السعودي أن اللاعب لم يتمكن من الالتحاق بالرياض وفق الخطة المقررة، مؤكداً المتابعةَ مع وزارة الرياضة والجهات المختصة وسفارة المملكة في هولندا لاستخراج وثائق سفر بديلة.
ويُفهم من التسريبات أن وصول اللاعب إلى نيويورك لن يكون قبل مطلع الأسبوع المقبل، مما يعني غيابه المؤكد عن ودية الإكوادور. ويمثل هذا الغيابُ خسارةً فنيةً مزدوجةً للمنتخب: فمن جهة، يُحرم “الأخضر” من أحد أكثر لاعبيه جاهزيةً بدنيةً بحكم مشاركته المنتظمة مع لانس الفرنسي، ومن جهة أخرى، تخسر المنظومةُ فرصةَ تجربة التوازن الدفاعي الهجومي الذي يوفره سعود في الرواق الأيمن، قبل الاصطدام بمنتخبات عالمية تعتمد أجنحتَها السريعة.
رسالة ولي العهد: وقود معنوي لا يُستهان به
بعيداً عن التفاصيل اللوجستية، حملت مغادرةُ البعثة رسالةً استثنائيةً من الأمير محمد بن سلمان، نقلها وزير الرياضة الأمير عبد العزيز بن تركي الفيصل إلى اللاعبين، حاثاً إياهم على تقديم صورة مشرفة في المحفل العالمي. ولم تقتصر الرسالة على البعد التحفيزي فحسب، بل جاءت لتذكير الجميع بأن المشاركة في كأس العالم تأتي امتداداً لحضور الرياضة السعودية المتصاعد في المنافسات الدولية الكبرى، في إطار رؤية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.
فقرة تحليلية: المعسكر بين الغيابات والفرص
يطرح المشهد الراهن تساؤلاتٍ جوهريةً حول قدرة “الأخضر” على تعويض عناصر مؤثرة في توقيت ضاغط. فغياب سعود عبد الحميد، وإن كان اضطرارياً، يكشف هشاشةَ فترة الإعداد القصيرة التي لا تحتمل مفاجآت، ويختبر خيارات المدرب في مركزٍ حسّاسٍ يربط بين خطي الدفاع والهجوم. في المقابل، يمنح هذا الظرفُ الطارئُ فرصةً ذهبيةً لأسماء بديلة مثل علي مجرشي أو محمد أبو الشامات لإثبات جدارتها في ودية الإكوادور، وربما حجز مكانٍ في التشكيلة الأساسية.
كما أن تزامن الأزمة الفردية مع انطلاق المعسكر الجماعي يذكّر بأهمية الجانب الذهني والنفسي في الإعداد للمونديال. فالمنتخب الذي يطمح إلى مغادرة مجموعة تضم بطل أوروبا (إسبانيا) وقوة أميركا الجنوبية (الأوروغواي) مطالبٌ بإدارة الأزمات المفاجئة بهدوء، وتحويل التحديات اللوجستية إلى عوامل تماسك داخلي، لا إلى مصادر تشتت.
خلاصة
بدأ “الأخضر” مشواره الأميركي بخطوة واثقة نحو الحلم، لكن الطريق لم يخلُ من العقبات. وبين الاستعداد الفني في نيويورك والغيابات القسرية من أمستردام، تتشكل صورةُ مرحلةٍ إعداديةٍ يختلط فيها الأمل بالتحدي، في انتظار ما ستكشفه الأيام القليلة المقبلة من مؤشرات فنية ومعنوية.










