
لم يعد شباك التذاكر السعودي مجرد مؤشر عابر على شعبية فيلم أو آخر، بل تحول في الأعوام الأخيرة إلى مقياس مركزي لنجاح أي إنتاج سينمائي في المنطقة. وهذا الأسبوع، جاء تقرير رئيس الهيئة العامة للترفيه المستشار تركي آل الشيخ ليزيح الستار عن مشهد شديد التنافس، تتصدره الأفلام العربية بقوة، فيما تواصل أعمال عالمية ضخمة حصد الإيرادات بهدوء وثبات، في سوق باتت تعرف تماماً ماذا تريد.
أرقام تكشف تحولات الذائقة
في منشور مقتضب عبر حسابه على فيسبوك، شارك المستشار تركي آل الشيخ متابعيه إحصاءات الأسبوع التي بلغ إجمالي إيراداتها 22.5 مليون ريال، مقابل أكثر من 430 ألف تذكرة مباعة. هذه الأرقام ليست مجرد حصيلة مالية، بل هي انعكاس مباشر لتوجه جمهور يختار بعناية بين ألوان سينمائية شديدة التباين؛ من الكوميديا الاجتماعية المصرية إلى السيرة الذاتية الموسيقية العالمية، ومن الأجزاء الجديدة لأفلام أيقونية إلى مغامرات الحركة القادمة.
الانطلاقة المصرية: تصدر واستمرار
الملامح الأبرز في تقرير هذا الأسبوع كانت للفيلم المصري «الكلام على إيه» الذي حقق 5.5 مليون ريال في أول 10 أيام عرض فقط، مع بيع ما يقارب 94.7 ألف تذكرة منذ 14 مايو. هذا الرقم لا يدل فقط على إقبال جماهيري، بل على قدرة الكوميديا المحلية على اختطاف الصدارة بسرعة، مستفيدة من قربها من وجدان المشاهد العربي.
لكن المفاجأة الأكبر جاءت من فيلم «برشامة» بطولة هشام ماجد، والذي يواصل تحقيق إيرادات استثنائية رغم طرحه على إحدى المنصات الرقمية. الفيلم بلغ إجمالي إيراداته في السوق السعودي 37.2 مليون ريال من نحو 700 ألف تذكرة، وهو رقم يضعه في مصاف أنجح الأفلام العربية في تاريخ شباك التذاكر السعودي. هذا الأداء اللافت يؤكد أن التوفر الرقمي لم يعد بالضرورة خصماً على شباك التذاكر حين يكون الفيلم قادراً على خلق تجربة مشاهدة جماعية.
أما فيلم «أسد»، الذي يضم رزان جمال وماجد الكدواني، فقد دخل السباق محققاً مليون ريال في أسبوعه الأول مع 18.3 ألف تذكرة، في بداية قد تتطور مع انتشار الحديث الشفهي عن العمل.
الكفة العالمية: ثبات لا ضجيج فيه
على الضفة الأخرى، تتقدم الأعمال العالمية من دون اندفاع، لكن بقاعدة جماهيرية عريضة. فيلم «Michael» المستند إلى قصة حياة مايكل جاكسون، تجاوزت إيراداته في 5 أسابيع 33.5 مليون ريال مع 556 ألف تذكرة. قوة الفيلم لا تكمن فقط في السيرة الذاتية، بل في كونه يستحضر حالة حنين جماعي لأحد أعظم رموز الموسيقى في التاريخ الحديث.
كذلك، أثبت فيلم «The Devil Wears Prada 2» أن الانتظار لعقدين من الزمن قد يكون مربحاً؛ الفيلم اقترب من 250 ألف تذكرة محققاً 16 مليون ريال، مستفيداً من ارتباط الجمهور بالجزء الأول ومكانته في ثقافة البوب.
سوق يفرض معادلاته الخاصة
ما تكشفه أرقام هذا الأسبوع تحديداً هو نضج شباك التذاكر السعودي وتحوله إلى ساحة اختبار حقيقية لنظريات التوزيع والإنتاج. ثمة 3 معادلات بدأت تتشكل بوضوح:
1. الفيلم العربي ليس منافساً ثانوياً، بل لاعب رئيسي يفرض نفسه حين يقدم كوميديا أصيلة قريبة من نبض الشارع، مثل «برشامة» و«الكلام على إيه».
2. العرض الرقمي ليس القاتل المنتظر: أداء «برشامة» يثبت أن الشاشة الكبيرة تحتفظ بجاذبيتها للأعمال التي تولد إحساساً بالمشاهدة الجمعية.
3. السيرة الذاتية والحنين رهان رابح، لكن ضمن حدود معينة، وهو ما يفسر أداء «Michael» و«Prada 2» القوي والمستقر على مدى أسابيع.
كل هذا يحدث في سوق تتسع أسبوعاً بعد آخر، وتستعد لاستقبال موسم عيد الأضحى 2026 بدخول أفلام جديدة مثل «7Dogs»، مما قد يعيد خلط الأوراق ويبقي المنافسة في حالة اشتعال مستمر.
خاتمة
في المحصلة، تقول أرقام هذا الأسبوع إن صناع القرار في السينما العربية والعالمية باتوا ينظرون إلى شباك التذاكر السعودي بوصفه الوجهة الأهم للاختبار والربح معاً. وبين كوميديا تتقدم بقوة، وسير ذاتية تستثمر الذاكرة، وسوق تنتظر ذروة موسمها، يستمر المشهد في التشكل بوتيرة لا تشبه أي سوق أخرى في المنطقة.










